عبد الشافى محمد عبد اللطيف
233
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
* معاوية ينجح في أخذ موافقة عثمان بن عفان : ظل عمر بن الخطاب ثابتا على موقفه المعارض بشدة للبدء في بناء أسطول بحري عسكري إسلامي إلى أن لقي ربه ؛ رضي اللّه عنه ، وظل معاوية ثابتا على رأيه في ضرورة البدء فورا في إنشاء هذا الأسطول . فلما توفي عمر وآلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان في نهاية ( سنة 23 ه ) جدّد معاوية مطالبته بالبدء في إنشاء الأسطول ، وفاتح عثمان في الأمر ، لكن عثمان لم يستجب له بسهولة ، بل قال له : « قد شهدت ما رد عليك به عمر رحمه اللّه ، حين استأمرته في غزو البحر » « 1 » أي : إن عثمان كان يعرف رأي عمر في القضية ، وهو ليس أقل من عمر حرصا عل سلامة المسلمين . غير أن معاوية لم ييأس ؛ بل واصل إلحاحه على عثمان حتى ظفر منه بالموافقة المشروطة في نهاية المطاف ، وهي أن يستعد للأمر استعدادا جيدا ، وألا يكره أحدا من المسلمين على الغزو في البحر ، وأن يكون هو نفسه على رأس الغزاة ، ومعه امرأته ، فقد قال له : « فإن ركبت البحر ومعك امرأتك ، فاركبه مأذونا لك ، وإلا فلا » « 2 » وهذا الشرط الذي أكد عليه الخليفة عثمان بن عفان ، وهو أن يأخذ معاوية امرأته معه عندما يغزو في البحر كان يقصد منه أنه إذا أخذ معه امرأته فإنه سوف يستبسل في القتال ، حفاظا على عرضه . وهذه عادة عربية قديمة ، فقد كان اصطحابهم لزوجاتهم في القتال بمثابة دافع إضافي للاستبسال في القتال ؛ وذلك من شدة حرص العربي على عرضه ، فإذا أدرك أن عرضه معرض للخطر فإنه عندئذ يفضل الموت على الحياة . على كل حال ظفر معاوية أخيرا بموافقة الخليفة على البدء في إنشاء أسطول إسلامي . فبدأ على الفور ، وفي غضون سنوات قليلة ظهر الأسطول الإسلامي ، وأصبح للمسلمين قوة بحرية هائلة ، حققت أمجادا وانتصارات باهرة . * الارتباط الأمني بين مصر والشام : إذا كانت الدعوة إلى بناء قوة بحرية إسلامية جاءت من معاوية بن أبي سفيان ، أمير الشام إلا أن الدور الأهم في بناء تلك القوة اضطلعت به مصر ، ومعاوية نفسه
--> ( 1 ) البلاذري - فتوح البلدان ( ص 181 ) . ( 2 ) البلاذري - فتوح البلدان ( ص 181 ) .